سورة مريم اية (1،2)

تفسير سورة مريم لفضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي

(كهيعص “1”)

هذه خمسة حروف مقطعة ، تُنطق باسم الحرف لا بمُسمَّاه، لأن الحرف له اسم وله مُسمَّى ، فمثلاً كلمة (كتب) مسماها (كتب) أما بالاسم فهي كاف ، تاء ، باء. فالاسم هو العَلَم الذي وُضِع للدلالة على هذا اللفظ.

وفي القرآن الكريم سور كثيرة ابتُدِئَتْ بحروف مُقطعة تُنطق باسم الحرف لا مُسمَّاه ، وهذه الحروف قد تكون حَرفاً واحداً مثل: ن ، ص ، ق. وقد تكون حرفين مثل: طه ، طس. وقد تكون ثلاثة أحرف مثل: الم ، طسم. وقد تأتى أربعة أحرف مثل: المر. وقد تأتى بخمسة أحرف مثل: كهيعص ، حمعسق.

لذلك نقول: لا بُدَّ في تعلُّم القرآن من السماع ، وإلاَّ فكيف تُفرِّق بين الم في أول البقرة فتنطقها مُقطَّعة وبين


أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ }
[الشرح: 1] فتنطقها موصولة؟ وصدق الله تعالى حين قال:
{ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَٱتَّبِعْ قُرْآنَهُ }
[القيامة: 18].

ونلاحظ في هذه الحروف أنه يَنطِق بالمسمّى المتعلم وغير المتعلم ، أما الاسم فلا ينطق به ولا يعرفه إلا المتعلّم الذي عرف حروف الهجاء. فإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم أميّاًَ لم يجلس إلى معلم ، وهذا بشهادة أعدائه ، فمن الذي علمه هذه الحروف؟

إذن: فإذا رأيت هذه الحروف المقطعة فاعلم أن الحق سبحانه وتعالى نطق بها بأسماء الحروف ، ونحن نتكلم بمُسمَّيات الحروف لا بأسمائها.

ثم يقول الحق سبحانه وتعالى:

{ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ }

الذكْر: له معانٍ متعددة ، فالذكْر هو الإخبار بشيء ابتداءً ، والحديث عن شيء لم يكُنْ لك به سابق معرفة ، ومنه التذكير بشيء عرفته أولاً ، ونريد أن نُذكِّرك به ، كما في قوله تعالى:


{ وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ }
[الذاريات: 55].

ويُطلَق الذكْر على القرآن:
{ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }
[الحجر: 9] وفي القرآن أفضل الذكر ، وأصدق الأخبار والأحداث. كما يُطلق الذكر على كل كتاب سابق من عند الله ، كما جاء في قوله تعالى:
فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ }

[النحل: 43].

والذكْر هو الصِّيت والرِّفْعة والشرف ، كما في قوله تعالى:
وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ }
[الزخرف: 44] وقوله تعالى:
{ لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ }

[الأنبياء: 10] أي: فيه صِيتكم وشرفكم ، ومن ذلك قولنا: فلان له ذِكْر في قومه.

ومن الذكْر ذِكْر الإنسان لربه بالطاعة والعبادة ، وذكْر الله لعبده بالمثوبة والجزاء والرحمة ومن ذلك قوله تعالى:
فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ }

[البقرة: 152].

فقوله تعالى: { ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ } [مريم: 2] أي: هذا يا محمد خبر زكريا وقصته ورحمة الله به.

والرحمة: هي تجليّات الراحم على المرحوم بما يُديم له صلاحه لمهمته ، إذن: فكلُّ راحم ولو من البشر ، وكلُّ مرحوم ولو من البشر ، ماذا يصنع؟ يعطى غيره شيئاً من النصائح تُعينه على أداء مهمته على اكمل وجه ، فما بالك إنْ كانت الرحمة من الخالق الذي خلق الخلق؟ وما بالك إذا كانت رحمة الله لخير خَلْقه محمد؟

إنها رحمة عامة ورحمة شاملة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أشرف الأنبياء وأكرمهم وخاتمهم ، فلا وَحْيَ ولا رسالة من بعده ، ولا إكمال. إذن فهو أشرف الرسل الذين هم أشرف الخَلْق ، ورحمة كل نبي تأخذ حظها من الحق سبحانه بمقدار مهمته ، ومهمة محمد أكرم المهمات.

وكلمة (رَحْمَة) هنا مصدر يؤدي معنى فعله ، فالمصدر مثل الفعل يحتاج إلى فاعل ومفعول ،كما نقول: آلمني ضَرْب الرجل ولدَه ، فمعنى: { رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ } [مريم: 2] أي: رحم ربُّك عبده زكريا.

لذلك قال تعالى: { رَحْمَةِ رَبِّكَ } [مريم: 2] لأنها أعلى أنواع الرحمة ، وإن كان هنا يذكر رحمته تعالى بعبده زكريا ، فقد خاطب محمدا صلى الله عليه وسلم بقوله:
{ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ }

[الأنبياء: 107] فرحمة الله تعالى بمحمد ليست رحمة خاصة به ، بل هي رحمة عامة لجميع العاملين ، وهذه منزلة كبيرة عالية.

فالمراد من { ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ } [مريم: 2] يعنى هذا الذي يُتلَى عليك الآن يا محمد هو ذِكْر وحديث وخبر رحمة ربك التي هي أجلُّ الرحمات بعبده زكريا .

 

المصادر :

1- بوابة نور الله – تفسير القرآن الكريم  www.nourallah.com      

2- التفاسير (من تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي ت1418 هـ )www.altafsir.com 

3- موقع تفسير القرآن الكريم  www.islampedia.com

 

 

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s